الشيخ بلال خريسات

مختارات رمضانية – الحلقة الخامسة – جمع وترتيب الشيخ المجاهد بلال خريسات حفظه الله

شارك

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، ثم اما بعد :

حديثنا اليوم عن القسم الذي يجب عليه الفطر وعليه القضاء وهما حالتان الحائض والنفساء :

أجمع العلماء على أن الحائض والنفساء لا يصح صومها، ولا يجب عليها، ويحرم عليها، ويجب عليها بعد الطهر قضاؤه.

فعن أبي سعيد رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم [ أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم فذلك نقصان دينها] رواه البخاري

وعن عائشة رضي الله عنها قالت :(كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) رواه مسلم

 

مسائل تتعلق بالحائض والصيام :

الأولى : إذا طهرت أثناء النهار :

فإنها تتمادى في فطرها، فتأكل وتشرب وإن قدم زوجها من سفر وهو مفطر فله أن يجامعها، وليس لها أن تمسك بقية اليوم بنية الصيام.

الثانية : إذا طهرت قبل الفجر :

ونوت الصيام صح صومها وإن أخرت الغسل لما بعد الفجر، وهذا قول الجمهور.

الثالثة : هل تتناول المرأة دواء يقطع الحيضة في رمضان :

الحيض أمر كتبه الله على بنات آدم، ولم تكن النسوة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكلفن ذلك ليصمن رمضان كاملا، وعليه فلا يستحب ذلك.

لكن إذا فعلت ذلك ولم يكن هذا الدواء يضر بها فلا بأس به، فإذا تناولته وانقطع دمها كان لها حكم الطاهرة فتصوم ولا إعادة عليها، والله تعالى أعلى واعلم.

الرابعة : المستحاضة لا تمتنع من الصوم ولا من الصلاة :

بل يجبان عليها بإجماع العلماء:

 

مسائل تتعلق بالمستحاضة وغسلها وصلاتها:

عن عائشة أن فاطمة بنت أبي حبيش سألتِ النبي – صلى الله عليه وسلم – قالت: إني أستحاضُ فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: (لا، إن ذلك عِرْقٌ، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي)رواه البخاري

وفي رواية عن عائشة أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض، فسألتِ النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: (ذلك عِرْقٌ، وليست بالحيضة، فإذا أقبلتِ الحيضةُ فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلِّي)رواه البخاري

عن عائشة أنها قالت: إن أم حبيبة سألتْ رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم- عن الدم؟ فقالت عائشة: رأيت مِرْكَنَها ملآنَ دمًا، فقال لها رسول الله – صلى الله عليه وسلم: (امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتُك، ثم اغتسلي وصلي) زاد مسلم في رواية: (فكانت تغتسل عند كل صلاة)

المسألة الأولى :

قال النووي رحمه الله تعالى :

(هو جريان الدم من فرج المرأة في غير أوانه، يخرج من عرقٍ يقال له العاذِل – بالعين المهملة وكسر الذال – بخلاف دم الحيض، فإنه يخرج من قعر الرحم)

قوله: (أفأدعُ)، سؤال عن استمرار حكم الحائض في حالة دوام الدم وإزالته.

قوله: (إن ذلك عِرْقٌ)أي: دم عِرْق، وهو يسمى بالعاذِل.

قوله: (ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي) أي: لا تتركي الصلاة في كل الأوقات، لكن اتركيها في مقدار العادة، ولفظ: (قدر الأيام) مشعرٌ بأنها كانت معتادة.

مثاله: إن كانت عادتها من كل شهر عشرة أيام من أولها أو من أوسطها أو من آخرها، تترك الصلاة عشرة أيام من هذا الشهر

قوله: (فإذا أقبلتِ الحيضةُ فدعي الصلاة)في هذا نهيٌ لها عن الصلاة في زمن الحيض، وهذا نهي تحريم، ويقتضي فساد الصلاة هنا بإجماع المسلمين، وسواء في هذا الصلاة المفروضة والنافلة؛ لظاهر الحديث.

قوله: (فإذا أدبرتْ فاغسلي عنك الدم وصلي)المراد بالإدبار انقطاع الحيض.

قوله (رأيت مِرْكَنها)، بكسر الميم وفتح الكاف، وهو الإجانة التي تغسل فيها الثياب.

المسألة الثانية:

للمستحاضة حالات ثلاث، وهي:

الحالة الأولى المعتادة:

 أي: لها عادة فتعرف المدة والوقت التي كانت تحيص فيه، فهذه المرأة تحتسب وقت حيضتِها التي كانت تحيضها، والباقي تعتبره استحاضة.

ففي حديث عائشة الذي مر معنا في الباب أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال لفاطمة بنت حبيش: (ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي)

الحالة الثانية المميِّزة:

أي: التي تميِّز وتفرِّق بين دم الحيض ودم الاستحاضة، فهذه المرأة تنظر في الدم النازل، فإن كان دم حيض تركت الصلاة والصيام، وإن كان دم استحاضة اغتسلت وصلَّت.

ففي حديث فاطمة بنت حبيش أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال لها: (إذا كان دم الحيضة فإنه أسود يُعرَف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضَّئي وصلِّي، فإنما هو عرق)رواه أبو داود والنسائي وحسنه الألباني

الحالة الثالثة المتحيِّرة:

أي: ليس لها عادة، وليست تستطيع تمييز دم الحيض، فهذه المرأة تعمل بحالة غالب النساء، فيكون وقت حيضتها ستة أيام أو سبعة أيام من كل شهر، والباقي يكون استحاضة.

ففي حديث حمنة بنت جحش قالت: كنت أستحاض حيضةً كثيرةً شديدةً، فأتيتُ رسول الله – صلى الله عليه وسلم  أستفتيه وأخبره، فوجدتُه في بيت أختي زينب بنت جحش، فقلت: يا رسول الله، إني امرأةٌ أُستحاض حيضةً كثيرةً شديدةً، فما ترىفيها، قد منعتني الصلاة والصوم، فقال : (أنعتُ لك الكُرْسُف، فإنه يُذهِب الدم) قالت: هو أكثر من ذلك، قال: (فاتخذي ثوبًا) فقالت: هو أكثر من ذلك، إنما أثجُّ ثجًّا،

قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم:(سآمرك بأمرين أيهما فعلتِ أجزأ عنك من الآخر، وإن قويتِ عليهما فأنت أعلم) قال لها: (إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت، واستنقأت فصلِّي ثلاثًا وعشرين ليلةً، أو أربعًا وعشرين ليلةً وأيامها، وصومي، فإن ذلك يجزيك، وكذلك فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء، وكما يطهرن، ميقات حيضهن وطهرهن….)

رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وحسنه الألباني

فإذا انقضت مدة الحيض على أي صورة كانت مما سبق ذكره، فإن المرأة تغتسل غسلها من الحيض، ثم تشد خرقة على فرجها، ويسمى هذا (تلجمًا أو استنفارًا)

 

المسألة الثالثة: وضوء المستحاضة للصلاة:

اختلف العلماء في حكم وضوء المستحاضة للصلاة على أقوال، منها:

القول الأول:

 يجب عليها الوضوء لكل صلاة فرضًا كانت أم نفلًا، وهو قول الحنابلة، والحنفية، وابن حزم، واستدلوا بقوله – صلى الله عليه وسلم – في بعض روايات حديث فاطمة بنت حبيش أنه قال لها: (وتوضَّئي لكل صلاة) رواه ابن ماجة وأحمد

قالوا: إن الصلاة تطلق على الفرض والنفل.

حديث عدي بن ثابت عن أبيه عن جده عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: (المستحاضة تَدَعُ الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة، وتصوم وتصلِّي)رواه ابو دواد والترمذي وابن ماجة وهو حديث معلول بأكثر من عله

القول الثاني:

يجب عليها الوضوء لكل صلاة فرضًا فقط، وهو قول الشافعية، واستدلُّوا بنفس أدلة الفريق الأول، إلا أنهم قالوا: إن الصلاة عند الإطلاق تنصرف إلى المفروضة وتتقيَّد بها.

القول الثالث:

لا يعتبر دم الاستحاضة ناقضًا للوضوء مطلقًا، بل هو كسَلَسِ البَوْل، وهو قول المالكية، واستدلوا بأن المرفوع إلى النبي  صلى الله عليه وسلم، لم يذكر فيه إلا الغسل، وأجابوا عن رواية: (وتوضئي لكل صلاة) بأنها شاذة.

 

قال النسائي: (لا نعلم أحدًا قال: (وتوضئي لكل صلاة) في الحديث غير حماد، والله أعلم)وإليه أشار مسلم في صحيحه؛ حيث قال: (وفي حديث حماد بن زيد حرفٌ تركنا ذكره)، وذكر البيهقي في السنن الكبرى: (أن هذه الزيادة غير محفوظة، وأن الصحيح أن هذه الكلمة من قول عروة بن الزبير) وأجابوا على حديث عدي بن ثابت عن أبيه عن جده بأنه ضعيف ولا يُحتَج به.

 

وعليه، فالراجح قول المالكية؛ لأن زيادة (وتوضئي لكل صلاة) مُدرَجَة من قول عروة بن الزبير، وليست من قول النبي – صلى الله عليه وسلم – كما جاء في رواية أبي معاوية أن هشام بن عروة قال: قال أبي: (ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت)، وبهذا قال البيهقي كما تقدم.

المسألة الرابعة :  غسل المستحاضة:

يجب على المستحاضة الغسل عند انقضاء حيضها أو نفاسها، وهو ما ذهب إليه جمهور العلماء؛ لحديث فاطمة بنت أبي حبيش الذي مر معنا في الباب.

أما ما ذهب إليه بعض العلماء من وجوب الغسل لكل صلاة، مستدلِّين على ذلك بقول النبي – صلى الله عليه وسلم – لأم حبيبة أن تغتسل لكل صلاة، فالصحيح أن غسل أم حبيبة كان من فعلها واجتهادها هي، وليس من أمر النبي – صلى الله عليه وسلم – ويدل على ذلك روايةُ مسلم المذكورة في الباب، وفيها: (فكانت تغتسل عند كل صلاة)

قال الليث بن سعد: (لم يذكر ابن شهاب أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أمر أم حبيبة بنت جحش أن تغتسل عند كل صلاة، ولكنه شيء فعلَتْه هي)

المسألة الخامسة : جماع المستحاضة:

جمهور العلماء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، على جواز جماع المستحاضة، ونقله ابن المنذر عن ابن عباس، وسعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعطاء، وقتادة، وسعيد بن جبير، وحماد بن أبي سليمان، وجمعٍ من الأئمة.

واستدلوا بعموم قوله – تعالى:﴿ حَتَّى يَطْهُرْنَ ﴾ وهذه طاهرة من الحيض، فجاز جماعها.

كما أن النساء اللاتي كنَّ يُسْتَحَضْنَ على عهد النبي – صلى الله عليه وسلم لم يأمُرْهن النبي صلى الله عليه وسلم بترك الجماع

مع ما تقتضيه الحاجة لبيان ذلك، والعلماء يقولون :إن ترك الاستفصال وقت البيان ينزل منزلة العموم من البيان، فتبين من ذلك جواز الجماع للمستحاضة.

بينما ذهب الحنابلة، وابن سيرين، والشعبي، والنخعي، والحكم، وابن علية من المالكية، إلى عدم جوازه، واستدلوا بما روي عن عائشة أنها قالت: (المستحاضة لا يغشاها زوجها)

فالراجح جواز جماع المستحاضة:إذ لا دليل صحيح يمنع من جماعها.

وبناءً على ما سبق أن المراة المستحاضة مثلها مثل المرأة الطاهرة تمامًا، ولا تختلف عنها إلا في كونها يلزمها عند دخول وقت الصلاة أن تغسل أثر الدم وتضع ما يمنع نزوله، ولها أن تتوضأ إن انتقض وضوؤها بناقض من نواقض الوضوء، ثم لها أن تفعل سائر العبادات من الصلاة، والصيام، وقراءة القرآن، ومس المصحف، والطواف بالكعبة.

قال القرطبى: (قال جمهور العلماء: المستحاضة تصوم، وتصلِّي، وتطوف، وتقرأ، ويأتيها زوجها)

مسألة :

من خشى الهلاك بصومه :فيجب عليه الفطر.

من لا يجوز له الفطر : وهو كل مسلم، بالغ، عاقل، صحيح غير مريض، مقيم غير مسافر، والمرأة الطاهرة من الحيض والنفاس.

 

والله تعالى أعلى واعلم

————————–

جمع وترتيب  : الشيخ المجاهد بلال خريسات [ أبو خديجة]

حفظه الله

————–

5 رمضان 1440 للهجرة

————–

مؤسسة بيان للإعلام الإسلامي

التحميل

989.2 KB

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة