الشيخ بلال خريسات

مختارات رمضانية – الحلقة الرابعة- جمع وترتيب الشيخ المجاهد بلال خريسات حفظه الله

شارك

 

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، ثم اما بعد :

مازال حديثنا في القسم الذين يجوز لهم الفطر والصوم، وكنا قد ذكرنا منهم الحامل والمرضع، والشيخ الكبير، والمرأة العجوز، والمريض الذي لا يرجى برؤه، وما يتعلق فيهم من أحكام، واليوم نحتدث عن المريض بإذن الله تعالى

المريض هو : كل ما خرج به الإنسان عن حد الصحة من علة .

وقد أجمع العلماء على إباحة الفطر في الجملة، ثم إذا برئ قضاه .

والأصل فيه قول الله تعالى :{فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}

وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال :(لما نزلت هذه الآية { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } كان من أراد أن يفطر، يفطر ويفدي، حتى أنزلت الآية التي بعدها يعني قوله تعالى :{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ  فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ  وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}

وللمريض ثلاث حالات :

الحالة الأولى :   أن يكون مرضه يسيرا لا يتأثر بالصوم ولا يكون الفطر أرفق به، كالزكام اليسير، أو الصداع اليسير أو وجع الضرس ونحوه، فهذا لا يجوز له أن يفطر.

الحالة الثانية :  أن يزيد مرضه أو يتأخر برؤه ويشق عليه الصوم ولكن لا يضره، فهذا يستحب له الفطر ويكره له الصوم.

الحالة الثالثة :  أن يشق عليه الصوم ويتسبب في ضرر قد يفضي إلى الهلاك، فهذا يحرم عليه الصوم أصلا، لقوله تعالى :{ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ}

مسألة :

هل يفطر الصحيح الذي يخشى المرض بالصيام؟

يباح للصحيح الذي يخشى المرض بالصيام أن يفطر، لأنه كالمريص الذي يخاف زيادة مرضه أو إبطاء برئه بالصوم، قال تعالى :{  يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}

وقال سبحانه :{ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}

وقال صلى الله عليه وسلم :[إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم] رواه البخاري ومسلم

ومن الذين يجوز لهم الفطر والصوم :

المسافر :

يشرع للمسافر أن يفطر، لقوله تعالى :{فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}

؟ إذا صام المسافر صح صومه:

ذهب جماهير الصاحبة والتابعين والأئمة الأربعة إلى أن الصوم في السفر صحيح مجزئ، وروى عن أبي هريرة رضي الله عنه وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم وهو مذهب ابن حزم أنه غير صحيح ويجب القضاء على المسافر إن صام في سفره، وروى القول بكراهته، ومذهب الجماهير أقوى.

؟ هل الأفضل للمسافر الصوم أو الفطر :

اختلف أهل العلم في ذلك، والتحقيق في المسألة، وهو الذي تجتمع عليه النصوص أن يقال :

 

إن للمسافر ثلاث حالات :

الحالة الأولى :

أن يشق عليه الصوم أو يعوقه عن فعل الخير :فالفطر في حقه أولى، ومن هذا ما جاء في حديث جابر قال :كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه فقال :[ما هذا] قالوا :صائم، فقال :[ليس من البر الصوم في السفر] رواه البخاري ومسلم

وحديث أنس قال :كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر فمنا الصائم ومنا المفطر، قال :فنزلنا منزلا في يوم حار، أكثرنا ظلا صاحب كساء، ومنا من يتقي الشمس بيده قال :فسقط الصوام وقام المفطرون، فضربوا الأبنية وسقوا الركاب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :[ذهب المفطرون اليوم بالأجر] رواه مسلم

وفي حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه وكانوا في غزوة :[إنكم مصبحو العدو غدا والفطر أقوى لكم] رواه مسلم

الحالة الثانية :

أن لا يشق عليه الصيام ولا يعوقه عن فعل الخير، فالأولى له الصيام، لعموم قوله تعالى :{ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ}

وعن أبي الدرداء قال :(خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره في يوم حار حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا ما كان من النبي صلى الله عليه وسلم وابن رواحه) رواه البخاري ومسلم

وعن عائشة أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبي صلى الله عليه وسلم :أأصوم في السفر (وكان كثير الصوم) فقال :

[إن شئت فصم وإن شئت فأفطر] رواه البخاري ومسلم

 

ولأن الصوم إذا لم يكن فيه مشقة أسرع في إبراء الذمة، وأسهل على المكلف غالبا أن يصوم مع الناس من أن يقضى والناس مفطرون.

الحالة الثالثة :

أن يشق عليه الصوم مشقة شديدة غير محتملة قد تفضى إلى الهلاك، فهنا يجب الفطر ويحرم الصوم، كما في حديث جابر :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح إلى مكة فسار حتى بلغ كراع الغميم، وصار الناس، ثم دعا بقدح من الماء، فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شرب، قيل له بعد ذلك :إن بعض الناس قد صام، فقال :[أؤلئك العصاة، أؤلئك العصاة]  رواه البخاري ومسلم

مسألة:

متى يجوز للمسافر أن يفطر :

ذكر أهل العلم أن للمسافر أحوال في جواز الفطر :

الحالة الأولى :

أن يبدأ السفر قبل الفجر، أو يطلع عليه الفجر وهو مسافر، وينوى الفطر، فيجوز له الفطر إجماعا، لأنه متصف بالسفر عند وجود سبب الوجوب.

الحالة الثانية :

أن ينشئ السفر بعد الفجر(أثناء النهار)

فذهب الجمهور (أبو حنيفة ومالك والشافعي ورواية عن أحمد) إلى أنه لا يباح له الفطر ذلك اليوم، ووجه ذلك :أن الصوم عبادة تختلف بالحضر والسفر فإذا اجتمعا فيها غلب حكم الحضر كالصلاة.

وذهب أحمد وإسحاق والحسن وهو اختيار شيخ الإسلام وهو الراجح في المسألة إلى جواز الفطر في ذلك اليوم لعموم قوله تعالى :{فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}

ولحديث جابر في خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة عام الفتح، وفيه (فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون اليه)

ونحوه من حديث ابن عباس وفيه (ثم دعا بماء فرفعه إلى يده ليراه الناس فأفطر حتى قدم مكة وذلك في رمضان) رواه البخاري

ويؤيد هذا المذهب كذلك حديث محمد بن كعب قال :أتيت في رمضان أنس بن مالك، وهو يريد سفرا، وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب السفر فدعا بطعام فأكل، فقلت له :سنة؟، فقال سنة، ثم ركب) رواه الترمذي والبيهقي والدارقطني وصححه الألباني

وعن عبيد بن جبير قال :(ركبت مع أبي بصرة الغفاري في سفينة من الفسطاط في رمضان، فدفع ثم قرب غداؤه، ثم قال :اقترب، فقلت :ألست بين البيوت؟ فقال أبو بصرة :أرغبت عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم) رواه أبو داود وأحمد والدارمي والبيهقي.

تنبيه :

في الحديثين الأخيرين دليل على أن للمسافر أن يفطر قبل خروجه من الموضع الذي أراد السفر منه، قال ابن العربي :وأما حديث أنس فصحيح يقتضى جواز الفطر مع أهبة السفر، وهذا هو الحق.

الحالة الثالثة :

أن ينوي الصوم وهو مسافر ثم يبدو له أن يفطر :فيجوز له الفطر إذا بدا له ذلك للأدلة المتقدمة في الحالة الثانية، وبه قال الجمهور خلافا للمالكية والحنفية.

مسألة :

متى تنقطع رخصة الفطر للمسافر :

تسقط رخصة المسافر في حالتين :

الحالة الأولى :

إذا نوى الإقامة مطلقا، أو مدة الإقامة :

عن ابن عباس (أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا غزوة في رمضان، حتى إذا بلغ الكديد الماء الذي بين قديد عسفان، فلم يزل مفطرا حتى انسلخ الشهر) رواه البخاري

ومعلوم أن الفتح كان لعشر بقين من رمضان، فعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أفطر بمكة عشرة أيام أو أحد عشر على اختلاف الروايات، ولا شك أن فطره في هذه المدة لا ينفى الفطر فيما زاد عليها.

فالحاصل أن من نوى الإقامة مطلقة فإنه يصوم ولا يفطر، وإن لم ينو الإقامة لكن أقام لقضاء حاجة له بلا نية الإقامة ولا يدري متى تنقضى فله أن يفطر والله تعالى أعلى واعلم.

ملاحظة :

مدة الإقامة التي يفطر فيها عند المالكية والشافعية :

أربعة أيام

وعند الحنابلة: اكثر من أربعة أيام

وعند الحنفية: خمسة عشر يوما

وهذه التحديدات ليس عليها دليل.

الحالة الثانية:

إذا عاد إلى بلده:

فإذا عاد إلى محل إقامته ليلا، فإن كان الغد من رمضان وجب عليه الصوم بلا خلاف، أما لو قدم في النهار، فهل يمسك بقية يومه؟ فيه قولان، والأظهر أنه لا يلزمه الإمساك بل يبقى على فطره وهذا مذهب الشافعي ومالك وصح عن ابن مسعود أنه قال :(من أكل أول النهار فليأكل آخره) صحيح الاسناد أخرجه ابن أبي شيبه

وقال أبو حنيفة وأصحابه :يمسك بقية اليوم، قياسا على من طرأ عليه في يوم الشك، وفيه نظر، لأن ذاك أكل لموضع الجهل، وهذا أكل لسبب مبيح.

ويتفرع عن هذا فائدة هي :

إذا قدم المسافر أثناء النهار من رمضان وهو مفطر فوجد امرأته قد طهرت في أثناء النهار من حيض أو نفاس، أو برأت من مرض وهي مفطرة فله أن يجامعها ولا كفارة عليه.

مسألة :

رجل لم يصبر يوما عن جماع زوجته، فهل له أن يسافر بها حتى يفطر ويجامعها؟ الظاهر أنه وإن كان فيه نوع احتيال إلا أنه لا بأس بذلك والله تعالى أعلى واعلم

 

وبهذا ننتهي من القسم الذي يجوز له الفطر والصوم

والله ولي التوفيق

————————–

جمع وترتيب  : الشيخ المجاهد بلال خريسات [ أبو خديجة]

حفظه الله

————–

4 رمضان 1440 للهجرة

————–

مؤسسة بيان للإعلام الإسلامي

 

التحميل

857.7 KB

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة