الشيخ الدكتور طارق عبد الحليم

شارك

ردي على سؤال وردني

من ابن حبيب

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

شيخنا الحبيب معكم أخوكم الصغير بلالخريسات أبو خديجة

يتسائل الكثير من الاخوة عن أنس خطاب

وعن مستواه العلمي فيما يكتب

فنرجوا من فضيلتكم الإفادة

وجزاكم الله خير الجزاء

الجواب: ردي على السؤال أعلاه

وردني هذا السؤال من ابن حبيب، نحسبه،والله حسيبه، ممن يحرصون على العلم،ويعرفون قدره وحدوده وضوابطهوهو بشأنأحد المنتمين لهيئة الشام، ومعرفتي بهشخصياً، وتقديري لقدراته العلمية.

وسأنتهز هذه الفرصة لأضع بعض العلاماتعلى الحروف بشأن تلك التي يسمونها«الدراسات» أو «الأبحاث»، والتي تنتشروتُنشر في ظلمات أقبية النت، يتقبلها جمهورمن العوام، خاصة أولئك المنتمين إلى حركاتأو جماعات إسلامية، تحترق شوقا إلى أنتجد لوجودها وكيانها مبرراً «شرعياً»ومرجعية «علمية»، وجدتها من قبلهمجماعات أخرى، ممن طالت خبرتها، سواءميدانياً أو علمياً، فحازت على بعضالشخصيات التي لها وزنٌ في الناحيةالأكاديمية، يطمئن له قلب القارئ المطلّع،ويبتعد به عن خزانة ألبسة الزوروأظن أنأخي الشيخ د هاني السباعي قد أشار إلىبعض أولئك الأعلام في سلسلته، منظروالسلفية الجهادية، التي ستمتد إن شاء الله،إلى نهاية هو بالغها، فسمى فيها، وعرّف ببعضمن هم فطاحل علم شرعي بحق، ومن تُقبلكتاباتهم في دوائر العلم، ويستفاد بها، وكلّ لهدرجته العلمية!

فليعذرني الإبن الحبيب بلال، إذ لم أجعلالمقال كله عما سأل، فهذا أمره هين قريب،لكني سأتناول ظاهرة بأسرها تأكل جذورالكيان الإسلاميّ، الذي ندعي أننا نريد إرواءهورعايته والقيام عليه، ليكون به نصر اللهالقريب!

أما عن الرجل الذي سألني عنه الابن الحبيببلال، واسمه أنس خطاب، فهو رجل في نهايةمرحلة الشباب وبداية مرحلة الرجولة، سمعتاسمه أول ما سعت من الابن الحبيب الغاليالشيخ داود خيرت فك الله أسره، وهو منأحب الناس إلى قلبي في دنيانا هذه، لحسنخُلقه وورعه ومحبته للعلم.

كنت في مكتبي يوما في مقر التيار السنيلتحريرمصر، بمدينة نصر، القاهرة، في عام٢٠١٢ أو ٢٠١٣ على ما أذكر، والذي عزمنا علىتكوينه، العبد الضعيف، والشيخ السباعي،والشيخ رفاعي سرور قبل أسابيع من وفاته،رحمه الله، فلم يتمكن من أن يكون معنا فيهذا الكيان.

على أية حال، قال لي الشيخ داود، وهوحقيقة أصغر سنا من ابني شريف فك اللهأسره، بخمس سنوات ، وكان مديرا للمكتب،أن هناك أخا يحضر جلسات يعقدها الشيخداود ذاته، وأنه مبتدئ على أول سلم العلم، أوعلى عتبته، تحت السلمقلت لا بأس ادعهنتعرف عليه، وكنا، أنا والشيخ داود اتفقناوقتها على أن نبحث عمن يمكن أن يثق بهمالشيخ داود ليكونوا من فريق العمل بالمكتب.وبالفعل جاء أنس، لكن لم أتمكن من مقابلتهلانشغالي الشديد يومها، فعاد مع الشيخ داودبعدها بأيام، وجلس معي حوالي الساعة.وجدته فيها كما قال الشيخ داود، هادئ الطبعمؤدب متواضع، كما ظهر لي وقتها، ولا يزالفي بداية البداية في العلمثم انصرف بعدها،على وعد أن أقابله مرة أخرى وانشغلنا عنهوانشغل عنا.

ودارت الأيام دورتها، وإذا بي أتلقى مكالمة منالشام، لا أدرى وقتها من أي مدينة كانت، وإذابأنس يُذكرني بنفسه، وبمقابلتنا في مصر،ويحكي لي بعض أخبار الشيخ داود فيالسجنوقد حرصت على أن استمع له، لأنهكان يأتي لنا، أنا والشيخ السباعي، بأخبار داود،لا أكثر ولا أقلثم طلب منى أن أقدمه للشيخالسباعي، ففعلت، وصار يتصل بالشيخ كثيراً،في أوقات، مختلفة من الليل أو النهار.

وذكر انس لي وقتها ما لا أجد نفسي في حلّمن ذكره، إلا أنه كان ممن يشتكي كثيراً منالنصرة، وتجنبه لها مع بعض إخوانهوكانيذكر لي كم يحب العلم، وأنه يود لو اقتصردوره على تعليم المبتدئين هناك.

ثم، تيسر له الزواج بعد معاناة طويلة، لضيقذات اليدوظل على اتصال عام أو عامين منذتقريبا ٢٠١٤ إلى ٢٠١٦، ثم اختفى ولم أسمععنهثم إذا بي أسمع إنه أصبح من ذوي الشأنالعلمي الكبير في المجلس الشرعي أو الهيئةالشرعية، أو ما شئت من تسمية هي غث فيوعاء دسم!

وإذا بصاحبنا يدخل في دائرة معينة تدفع عنالهيئة، وعن تصرفات أمرائها، ثم، لمّا تعرضتُللهيئة، بعد أن كنت أنصرها، إذا به يتحدثعنى، أي والله، عني شخصيا بما لا يليق، كماوصلتي، وعن غيرى كذلك بأسوأ منى.

أما عن المستوى العلميّ لأنس، فهو لم يكملتعليمه الجامعي، فلا أدرى كيف يقوم بمايبحث فيه غيره سنوات طوال فيالبكالوريوس والماجستير والدكتوراهفلاأدرى ما الذي يمكن أن يحصّله مبتدئ، فيثلاثة أو أربع أعوام، نصفها مطارد، ونصفهامشغول بالبحث عن لقمة العيش، في بيئةتفتقر إلى الكتب أصلاً، إلا ما كان مناستشارات جوجليةفلا أعتقد أن الرجليؤتمن كأكاديمي يكتب أبحاثا ذات قيمة فيالوسط العلمي، الذي هو أصلاً لا يخاطبه، لا هوولا مشايخه.

لكن، ما جاءني من ابن فاضل آخر، أنه كتب«كتاباً» في الدوافع النفسية للغلو!! ومنقدّمه له، الشيخ أبو قتادة!

ما علينا، فإن البحث العلميّ والكتابةالأكاديمية، المرتبطة بالواقع، تلزم لها أدواتووسائل، تجعلها على مستو يقدّم للقارئفائدة، ويكشف عن زاوية أو جانب من هذاالعلم، يثري بها ذاك العلم، ويكون محل قبولفي الدوائر المختصة بالأبحاث والكتب، لامجرد اسم على غلاف الكترونيّ، مع تعليق، لاأدرى ما قال فيه صاحبه وما رأي فيه، لكنلعلي أجد في الأيام المقبلة دقائق أنظر فيهافي هذا العمل المهيب.

وموضوع الدوافع النفسية من أشقالموضوعات في الدراسات النفسيةوالاجتماعية، ومن أكثرها تعقيداً، من حيثغزارة ما أُخرج فيها في القرنين الماضيين، مماتُرجم للعربية، وأكثرها لم يُترجموما تحدثبه علماؤنا مثل ابن خلدون وابن القيم، مننسب لهذا العلم، ليس فيه ما يوازي هذا اللونمن العلم النفسي المقصود هنا .

وقد نشرت عدة مقالات بالانجليزية، ثمترجمتها للعربية، في النصف الثاني منالثمانينيات، في لندن، إبّان حصولي علىدرجتي الماجستير والدكتوراة، والتي كانموضوع الدوافع النفسية للفرد، سواء في علمالنفس العام، أو علم النفس التخصصي، كالعلمالمتخصص في التكوين الجماعي وتنظيماته،ومن سوء ما فعل أنس، أن هذا الموضوعبالذات شغل نصف رسالة الماجستير، التيتقدمت بها لجامعة برمنجهام عام ١٩٨٧.

وما أحكي هذا، علم الله، لسرد تاريخ حياتي،إلا لشدة دهشتي وعجبي، من أن يكتب «أنسخطاب»، نعم «أنس خطاب» في هذا الأمربالذات.

لا أدرى ما اطلع عليه أنسهل اطلع علىتاريخ كيفية تكون التجمعات المتخصصة فيكتابات جون لوك أو توماس هوبز أو غيرهم؟هل اطلع على ما يتعلق بالدوافع الفرديةMotivations، معزولة عن الجماعة، وعنالدوافع التي تحيك بجماعة أو منظمة معينة،والتي تنشأ نتيجة أمرين، الشخصية الفردية،ولها شروح عديدة، والتأثر النفسي الجماعي،وله نظريات منها نظرية الثبات (static theory)، ونظرية التطوير process theory، ونظرية البيئة environmental theory ، ثم ما دونه المحدثون مثل ويليامجيمس، وكارل يونج وغيرهم.

ولكن، مع الأسف فإن الدراسات التي دونتباللغة العربية في هذا المجال شحيحة نادرة،إلا ما كان من كتابات د سعد الفقي، الذي نشربعض أعمالي في هذا المجال التخصصيّ. كماأن كثيراً من «الاسلاميين» رفض هذا اللونمن الدراسات النفسية شكلا وموضوعاوقدرفضت هذا المبدأ من حيث أن الإنسان،انسان، قبل أي شئ، كما في الحديث «كلمولود يولد على الفطرة»، كما ان السننالكونية تعمل على المسلم والكافرفلا ضرر،بل هناك منفعة في دراسة ما أنتجته العقولالانسانية مع وجود مرشحات (فلترضروريةتستلزم قدر واسع من الدراسات الإسلاميةالشرعية.

والدوافع النفسية لفرد مُنتَمٍ لدين ما،ولجماعة نتصر هذا الدين، له زواياه الخاصة،التي تقوم على دراسة الفرد، وبناء نفسيته، ثمدراسة الجماعة، وكيفية ترابطها ودوافع عملها.وأمر الربط بينهما صعب المنال، لما رأينا منتشعبه في موضوعات كثيرة متناثرة.

ولا أريد الإطالة حتى لا يمل القارئ، لكنأحيلك، يا الإبن الحبيب، إلى البحث الذيسأضعه بعد هذه الكلمات.

وما أرى، ايها الإبن الحبيب، إلا أن هؤلاء القوم،هم أنفسهم، يعانون من أمراض نفسية، تملأمجلدات، تحت عنوان «الدوافع النفسية وراءالتظاهر الكتابات الحرفوشية»!

ولا أريد الإطالة حتى لا يمل القارئ، لكنأحيلك، أيها الابن الحبيب، إلى البحث الذيسأضعه بعد هذه الكلمات.

أقول أخيرا .. فاقد الشئ لا يعطيه، فهؤلاءينفخ في صورهم لغرض نفسي معروف، واللهالمستعان.

ملحوظةملاحظة هناك صلة قوية بين علومثلاثةعلم الإجتماع، وعلم الإدارة، وعلمالنفسفبينهما جامع مشتركٌ هو الفرد، فيحالاته المختلفةولعلنا نفرد لهذا الفرق مقالاًإن شاء الله

د طارق عبد الحليم

١٦ أبريل ٢٠١٩  ١١ شعبان ١٤٤٠

مقالات ذات صلة